الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
15
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
موضع آخر وفصل يأتي في غضون ترجمته إن شاء اللّه . كما أنا سنوضح تفاصيل الأسباب التي جعلت ظل « الإكليل » وغيره من كتب الهمداني تتقلص أو تقل نسخه أو تختفي بتاتا . ولكني أفاجئ القراء بنشوة النصر ، وأمنية الدهر ، وأزف إلى الناطقين بالضاد وروّاد المعرفة ، درة ثمينة وجوهرة يتيمة كريمة . ألا وهما الجزء الأول والجزء الثاني من « الإكليل » اللذان طالما تعيبا واحتجبا على الأبصار وكأنما طواهما الليل والنهار ، وظلّا يتخطيان عبر التاريخ ويجتازان ضمائر الغيب في خطى وئيدة وقرون عديدة حتى ظفرت بهما وساقهما اللّه إلى استئثارا منه عليّ ، وحبا في نشرهما على يديّ ، ليحقق اللّه بعض أمنيتي وأمنية كل عربي . و ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ * * « 1 » . فقد كان « الإكليل » أنشودتي في الحياة يشدو بها فمي ، ويجري بها دمي . وكان لي منه صاحب وخليل سايرني وسايرته في جميع مراحل حياتي ، حتى ظفرت بهذين الجزأين وبالجزء الثامن والجزء العاشر ، وتكونت رواية طريفة هي بالقصة الخيالية أشبه منها بالقصة الحقيقية المنتزعة من صميم واقعي . بل هي قطعة من حياتي لها فصول ، وفيها مفاجآت ومصادفات وقد يتدخل حينا القدر والحظ وإرادة اللّه حينا آخر . . وإليك أيها القارئ راجيا الاستماع إليها في غير ما سآمة ولا ملل ولا عتب . في براءة الطفولة المدللة ونعومتها الساذجة أروح كل يوم متعبا من اللعب المضني ، وقد أرخى الليل سدوله وخضع له كل شيء ، فأرتمي في أحضان والدي لأستمتع بدفء الأبوة فألقي عليه متاعبي وهو قابع في زاويته يهيم بعد أن أدى فريضة المغرب ، فيفتح لي قلبه الرحيم ويمدّ ذراعيه ويضمني إليه ويربت على ظهري كالذي ينفض الغبار عني ، ويزيل وعثاء التعب مني ، وهي قبلات من القلب وحنان وعطف ، الأمر الذي يزيدني التصاقا به كأني أريد العودة إلى ظهره ، وأشعر بسعادة خالدة لا نهاية لها . ثم يعود إلى تمتمته لورده وزلج حبّات سبحته وكأنها نغمة سحرية وتوقيع ألحان . وكان لها أثرها العميق في نفسي التزمتها بعدما شعرت بواجبي تجاه اللّه تعالى . وأنا في تلك اللحظات الخالدة سابح في عالم السعادة منتظر ابتسامة الفجر وانبلاج الصباح حيث تتجدد لي سعادة النهار لأسرح وأمرح في غير ما مسؤولية ولا تبعة ولا ولا . . وصدق المثل العامي . الجهل « الطفولة » سلطان العمر . . وقد أسبح حينا في خيال لا مدى له في ملكوت السماوات والأرض وأتفلسف في مبدأ الكائنات ونهاية الخلق بالموت والفناء . وأن اللّه خلق هذا الكون ومن فيه ، ومن خلق اللّه ؟ والناس سيموتون عن بكرة أبيهم ، فيا ترى كيف سيبقى اللّه وحده ؟ في وحشة وانفراد ، فاستوحش أنا الآخر ، فأغمض عيني خوفا وذعرا وأمسح
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 54 .